محمد باقر الملكي الميانجي
105
مناهج البيان في تفسير القرآن
المنكرين وإبطال هوساتهم وجهالاتهم ، وقام الأئمّة الهداة بتشريع هذه الحقيقة وبيان أصولها وفروعها بأوضح بيان وأنور برهان . وقد بسطنا الكلام في ذلك في أبحاثنا في المعاد . قوله تعالى : « ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ » . التوفية أداء الشيء كما هو حقّه ، والاستيفاء أخذه كذلك . وبديهيّ أنّه - تعالى - لا يعني استيفاء عين العبادات والطاعات ، أو المعاصي والسيئات ، بل المراد استيفاؤهم جزاء أعمالهم هذه ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ . والمجازات على الأعمال فعل عمدي للّه - تبارك وتعالى - عدلا منه على أعدائه ، وفضلا وكرامة لأحبّائه والصالحين من عباده فتجري منه - تعالى - نعمه بالفضل والإكرام ، والعطف والحنان ، وهكذا بأسه وسخطه وأخذه أعداءه أخذ عزيز مقتدر من النّار ، وما فيها من أنواع العذاب والآلام ، وليس الجزاء في داخل نفوسهم وممّا رسخت في ذواتهم من الملكات الحسنة الّتي يبتهجون بها . قوله تعالى : « وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » . ( 281 ) أي لا يؤخذون أكثر ممّا يستحقّون من العذاب والهوان والخذلان والنكال ، وأمّا في طرف الثواب فيضاعفه اللّه لهم أضعافا مضاعفة بفضله وكرمه ، وكذلك سيّئات أهل التوحيد ، فيعفو عن كثير وتدركهم رحمة ربّهم ، فلا يظلمون بزيادة العذاب والتشديد عليهم زيادة على ما استحقّوا . ولا معنى لظلمهم في طرف الثواب ، إذ الثواب تفضّل من اللّه - تعالى - عليهم . نعم يتوجّه ذلك بناء على القول بالاستحقاق ووجوبه على اللّه - سبحانه - في طرف الثواب أيضا ، ويكفي في بطلانه ما جرت من سنّته - تعالى - من التفضّل والإكرام على ما هو المشاهد المحسوس في الدّنيا من تتابع نعمه وآلائه ، وترادف فضله وإحسانه من غير أن ينتظر في إنعامه لعباده العابدين فيحسن إليهم كيلا بكيل ، ونعلم أنّ إطاعة المطيعين لا تكافئ شيئا من نعمه - تعالى - بداهة أنّ حسناتهم أيضا من فضله وإحسانه . فللّه الحمد حمدا دائما فسبحانه من إله ما أجوده وأفضله ! والظاهر أنّ الآية الكريمة مسوقة لحيث التهديد ، وناظرة إلى جهة العذاب